تقنيات طبيةطبي

الجراحة الترقيعية | عندما تحيا الأعضاء بعد موتها

هل طرق يومًا مسمعك مصطلح الجراحة الترقيعية؟

حسنًا، كلنا يعلم الحكمة القائلة (الحاجة أُمُّ الاختراع). 

احتاج الإنسان ملاذًا، فبنى البيوت. واحتاج أمانًا، فقاتل الوحوش. واحتاج وطنًا، فقامت الحروب!

أسفر سعي البشرية -في تلبية احتياجاتها- عن موت البعض، البعض الآخر فقد عضوًا أو أكثر. ربما فقد ماهو أكبر، قدرته على مواصلة الحياة.

فهل يعوِّض الإنسان ما فقده؛ ليستأنف حياته؟ أم يَبقى فريسة الحاجة؟!

في هذا المقال، سنتجول عزيزي القارئ في علم الجراحة الترقيعية. نتعلم ما المقصود بها، ونبذة عن نشأتها، وتطورها، فتابع معي.

ما المقصود بالجراحة الترقيعية؟

هي جراحة تستبدل فيها الأعضاء فاقدة الحيوية والقدرة على أداء وظائفها، بأخرى صناعية، إما في الحال أو بعد التئام جرح بتر العضو.

تتعدد أشكال البدائل الصناعية، والمهام التي تؤديها وفقًا للغرض منها، فهناك:

  • غرض وظيفي، مثل: يد لأداء المهام المختلفة.
  • غرض تجميلي، مثل: ثدي -بديل المستأصل- لمريضات السرطان،مثل سرطان الثدي

كذلك تختلف البدائل من حيث ثباتها بالجسم، فهناك:

  • بدائل ثابتة، مثل: الأسنان، والمفاصل.
  • بدائل متحركة، مثل: الأيدي، والأقدام.

تتطور البدائل المستحدثة -مع تطور العلم- لتعويض الأجزاء المفقودة من جسم الإنسان.

نشأة الجراحة الترقيعية

عرفت الجراحة الترقيعية أو التعويضية منذ قديم التاريخ، فمنذ بضع سنوات اكتشفت مومياء عمرها 3000 عام، ترتدي أصبع قدم كبير.

أما عن الحالات المسجلة، فأول مثال لعميلة بتر طرف، واستبداله بآخر صناعي، ذكر في كتاب الفيدا، المكتوب -ما بين 3500 إلى 1800 قبل الميلاد غالبًا- باللغة السنسكريتية في الهند.

جاء فيه أن ساق الملكة فشيبلا بترت في المعركة، وبعد التئام الجرح، ركبَّت ساقًا حديدية، وعادت للحرب.

أطقم الأسنان كذلك، فقد عثر على بعضها مصنوعًا من أسنان الحيوانات، والبعض الآخر من أسنان الإنسان، متصلة بشريط معدني.

لكن أشهر الأطراف، هي (ساق كابوا) المكتشفة في نابولي، وتعود إلى عام 300 قبل الميلاد.

الساق مصنوعة من الخشب المغلف بالبرونز، ومفرغة قرب حافتها العلوية لتحتوي جذع ساق صاحبها. 

يعتقد أن الحافة السفلية ارتبطت بقدم صناعية أيضًا، لكن لم يُعثر عليها أبدًا.

الجراحة التعويضية في العصر الحديث

تتعدد الأمثلة على مر العصور، لكن في تاريخنا المعاصر، بدأ الاهتمام بالأطراف التعويضية مع الحرب العالمية الأولى.

خلفت الحرب أكثر من 4400 شخص مبتور الطرف -العلوي غالبًا- مما دفع الولايات المتحدة وكندا إلى إنشاء جمعيات تدعم المبتورين، وتشجع صناعة الأطراف.

خلال الحرب العالمية الثانية، وبالرغم من اكتشاف المضادات الحيوية التي حفظت حياة الكثيرين، سجلت 3475 حالة بتر طرف علوي فقط.

 دفعت الكارثة الإنسانية بالولايات المتحدة إلى إنشاء (لجنة بحث وتطوير الأطراف الصناعية) عام 1945 م.

مأساة دواء الثاليدومايد كذلك -بعد الحرب العالمية الثانية بعدة سنوات- الذي نتج عنه أطفال مشوهة الأطراف.

دفعت الكوارث المتتالية العالم دفعًا إلى الاهتمام بالجراحة الترقيعية وعلم الأعضاء الصناعية، وتطويرهما.

الأجهزة التعويضية في الحيوان

لم تقتصر الجراحة الترقيعية على الإنسان، بل شملت الحيوانات كذلك، مثل:

  • الدولفينة (فوجي) التي بُتر طرف ذيلها إثر مرض أصابها، تسبح الآن بزعنفة مصنوعة من المطاط وألياف الكربون.
  • الفيلتان (موتالا وموشا) اللتان فقدتا أرجلهما في حقل ألغام بتايلاند، تتمايلان الآن بأرجل مصنوعة من المعدن والبلاستيك.
  • النسر الأصلع (بيوتي) التي دمرت رصاصة معظم منقارها، تأكل الآن بمنقار مصنوع من بوليمر النايلون.
  • السلحفاة (تسفيكا) التي كسرت صدفتها جزازة عشب، فتضرر عمودها الفقري ورجلاها الخلفيتان، رُبطت مجموعة عجلات بحافة الصدفة السفلية لرفع جسدها، وحمايتها من الإصابات.

وغيرها من النماذج التي يجتهد العلماء ليوفروا لهم فرصة حياة جديدة.

تطور أجهزة الجراحة الترقيعية

يشهد علم الأجهزة التعويضية ثورة تكنولوجية عظيمة، شملت معظم أعضاء جسم الإنسان.

تحتل الأجهزة الطرفية -الأذرع والسيقان- الصدارة فيها، لكنها امتدت لأدق الأجزاء، فصمامات القلب، والأوردة، حتى العيون تُستبدل الآن.

تتكون الأجهزة الطرفية من عدة أجزاء أساسية، هي:

  • التجويف أو الغمد، الذي يحتوي جذع الطرف المبتور.
  • نظام التعليق، الذي يحمل الطرف إلى الجذع.
  • العمود أو الأسطوانة، بديل العظام الحية.
  • اليد أو القدم أو الخطاف.
  • الغلاف الخارجي، لمظهر أكثر آدمية.

في السطور التالية، سنستعرض تطور أجهزة الطرف العلوي -كمثال لتطور أجهزة الجراحة الترقيعية- إذ يُستخدم الذراع في معظم المهمات الحياتية، ومجال حركته أوسع وأكبر من باقي الأعضاء.

اليد الحديدية

صُنعت النماذج الأولية لطرف علوي -قبضة يد أو ذراع- من الحديد. 

في القرن السادس عشر، نجح الجراح العسكري الفرنسي (أمبرويز باري) في رسم أول نموذج مفصل ليد صناعية مزودة بزنبرك، سماه لورين الصغير (Le Petit Lorrain) -الحِرَفِيّ الذي صممها-.

لاحقًا، رسم باري نموذجًا لذراع مبتور فوق الكوع.

الأطراف الحديدية ثقيلة الوزن، صممت أساسًا للجنود، ليعودوا إلى ساحة الحرب.

الأطراف المتحركة بالطاقة الجسدية

في عام 1818، ابتكر طبيب الأسنان الألماني (بيتر باليف) مفهوم طرف علوي أتوماتيكي يعمل بالطاقة الجسدية.

اعتمدت آلية عمل الجهاز على تحويل توتر العضلات السليمة للجذع ولوح الكتف إلى طاقة حركة في طرف متصل بالذراع المبتور.

ينتقل التوتر عبر أحزمة جلدية، فيُحرك الشخص طرفه بانسيابية، عكس النماذج الحديدية.

في عام 1916، زَوَّد الجراح الألماني فرديناند سويربروخ النموذج بأصابع، يُتحكم فيها بحركة عضلات الذراع العلوية، لكن التكلفة كانت باهظة! (شاهد الفيديو)

تطور آخر حدث في عام 1948، حيث حَلَّ كابل بودين محل الأحزمة الجلدية، يسَّر ذلك استخدام كلتا اليدين معًا، بدلًا من استخدام يد لمساعدة الطرف.

الأطراف العاملة بالطاقة الجسدية الحالية، هي تطور لنموذج بويدن، وبالرغم من مظهرها غير الآدمي، إلا إنها الأوسع انتشارًا.

تقنية الأطراف الكهروعضلية

ابتكر الفكرة رينهولد رايتر -طالب الفيزياء بجامعة ميونخ، ألمانيا- في عام 1948.

اعتمدت فكرته على تضخيم الجهد الكهربي للعضلات السطحية، وتحويله إلى طاقة حركة للتحكم بالطرف الصناعي.

لكن التطبيق الحقيقي شهدته ثمانينات القرن الماضي، وتوالت التطورات في الأدوات والخامات المستعملة، وأصبحت المفضلة لدى الكثيرين.

مميزات الطرف الكهروعضلي عن العامل بالطاقة الجسدية:

  • أخف وزنًا.
  • أكثر راحة.
  • يعمل بالبطارية لا الكابلات.
  • مظهر أقرب لليد البشرية.

عيوب الطرف الكهروعضلي عن العامل بالطاقة الجسدية:

  • غالي الثمن.
  • تغيير البطارية أو إعادة شحنها دوريًا.
  • يحتاج إلى تدريب طويل.
  • بطء الاستجابة نسبيًا.
  • عرضة للتآكل والبقع والجروح.
  • التأثر بالعوامل الجسدية، مثل: العرق.

تطور آخر للتقنية ابتكره الجراح السويدي (بير-إنجفار برانمارك) في خمسينيات القرن الماضي، لكن ابنه (ريكارد) هو رائد تطبيقه.

اعتمد نموذجهما على الاندماج العظمي بين مادة التيتانيوم للطرف الصناعي، والعظام الحية للجزء المبتور.

مميزات تقنية الاندماج العظمي:

  • أكثر ثباتًا، واستقرارًا.
  • تجنب العوامل الجسدية، مثل: الاحتكاك، والعرق.
  • زيادة نطاق الحركة للطرف.

عيوب تقنية الاندماج العظمي:

  • التكلفة العالية.
  • احتمالية العدوى.
  • قد تتضرر العظام.
  • في حالة كسر العظام، يفقد الطرف صلاحيته.

تظل الأجهزة العاملة بالطاقة الجسدية الأوسع انتشارًا، خاصةً في البلدان النامية.

تقنية التحكم الكهروعضلي بواسطة إعادة توجيه الأعصاب الطرفية

في عام 2004، طرح كلًا من د. تود كويكن، ود. جريجوري دومانيان، فكرة إعادة توجيه الأعصاب الطرفية للعضو المبتور إلى عضلات سليمة مستهدفة.

الآن عندما يفكر الفرد في ثني أصابعه، تنقبض العضلات المستهدفة، يحرك الجهد الكهروعضلي الناتج الطرف بسهولة.

مميزات تقنية إعادة توجيه الأعصاب الطرفية:

  • تحكم أكبر في الطرف التعويضي.
  • إمكانية تحريك مفاصل متعددة، في نفس الوقت.
  • زيادة سرعة أداء المهمات بمقدار ضعفين إلى ستة أضعاف.

عيوب تقنية إعادة توجيه الأعصاب الطرفية:

  • التهاب النسيج الخلوي.
  • الورم المصلي (سيروما).
  • زيادة ألم الأطراف الوهمية بشكل مؤقت.
  • ارتفاع التكلفة.

لا يتوقف العلم عن إبهارنا بكل جديد، فمؤخرًا تم استبدال يد مبتورة بأخرى آدمية، فيما أطلق عليه (زراعة الأيدي).

عزيزي القارئ، تضطرنا أحداث الحياة أحيانًا لخيارات غير محبوبة، لكن علم الجراحة الترقيعية أثبت نفسه كواحد من أسلحة العلم والتكنولوجيا في مواجهة اليأس، وأتاح فرص حياة أفضل للجميع.

دمتم بالأمل.

المصدر
-prosthetic-limbdefinationscience/prosthesisweb libraryscientific americanncbiwebmed

د.إيمان البقلاوي

صيدلانية وكاتبة محتوى... أؤمن أن الكتابة سبيل الخلود، لذا أنتقي كلماتي ومعلوماتي بعناية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى